الشيخ محمد حسين الحائري

259

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

الاعتداد به قليلة كما سننبه عليه فربما تسامحوا لذلك في التنبه عليه والإشارة إليه وكذا لا يقدح رد القائلين بحجيته له في أكثر الموارد لان ذلك ليس لعدم حجيته عندهم في نفسه بل لعدم استجماعه لشرائط القبول كما سننبه عليه ومما يؤكد الظن بحجيته أنه في معنى الرواية فيكون بحكمها في الحجية ولا يقدح كونها مستندة إلى الحدس ووقوع الخطأ والاشتباه في الحدسيات غالبا دون الحسيات لان الكلام في النقل الذي تجرد عن أمارات الوهن ولا ريب أنه مع هذا القيد وإن قل حصوله لا يقصر عن بعض أنواع الرواية المعتبرة بل ربما يزيد عليها وإن كانت الرواية المعتبرة أقرب إلى الاعتماد والاعتداد غالبا من نقل مطلق الاجماع ومنشأ الوهم مقايسة أحد النوعين إلى الاخر والذهول عن حال الأصناف والافراد ومما يحقق ذلك عدم الفرق بين نوعي القطع في باب الشهادة فيعول على شهادة من يستند قطعه إلى الحدس كما يعول على شهادة من يستند قطعه إلى الحس والقول باشتراط المشاهدة في الشهادة غير واضح وليس في لفظ الشهادة شهادة عليه لغلبة إطلاقها على المجردة منها كما في الشهادتين وغيرهما وكذا الحال في إخبار الوكيل وإخبار ذي اليد فإنه يجوز التعويل على إخبارهم وإن علم استناد علمهم إلى الحدس وكذلك إخبار العدل عن فتوى المفتي فإن علمه بها كما قد يستند إلى الحس كذلك قد يستند إلى الحدس بملاحظة قول أتباعه أو عملهم أو لوقوفه على طريقته في الفقه أو ما أشبه ذلك وهذا في الحقيقة في حق المقلد كنقل الاجماع في حق المجتهد مع أن الاستناد في الرواية كما يكون إلى الحس كذلك قد يكون الحدس كما في المكاتبة والوجادة فبطل دعوى اختصاصها بالنوع الأول ومن هنا يتضح وجه حجيته بناء على انسداد باب العلم إلى تفاصيل بعض الأدلة فقط كخبر الواحد دون مجملات الأدلة فإن نقل الاجماع داخل في الخبر الذي نعلم حجيته بالأدلة المقررة في الجملة فإن المستفاد منها حجية نقل قول المعصوم وحكايته في الجملة ويبقى معرفة التفاصيل ولا طريق علميا إليها فيتعين التعويل على الظن الذي لا يعلم عدم جواز التعويل عليه بل ولا يظن به أيضا ولا ريب أن الشهرة لا سيما إذا اعتضدت بالامارات المذكورة مفيدة لذلك فيجب التعويل عليها وإن قلنا بأن قضية انسداد باب العلم مع بقاء التكليف جواز التعويل على الظن في الاحكام كما زعمه بعضهم فلا ريب أن نقل الاجماع على الوجه الذي نعتبره مما يفيد الظن بالحكم فيجب التعويل عليه وإن عولنا على الآيات فمنها آية الانذار والتحذير عن الكتمان ولا ريب في تناولهما للمقام فإن التفقه في الدين والاطلاع على الاحكام كما يكون بطريق الحس كذلك يكون بطريق الحدس وقضية وجوب البيان على الاطلاق وجوب القبول على الاطلاق إلا ما قام الدليل على خلافه مضافا إلى ما في ذيل الآية الأولى من الامر بالحذر وهو في معنى الامر بالقبول ومنها آية النبأ فهي وإن كانت عندنا غير مساعدة على قبول خبر العادل إلا أن جماعة ذهبوا إلى دلالتها على ذلك بالمفهوم وعلى تقديره يتناول المقام أيضا فإن ناقل الاجماع منبئ عن قول المعصوم عليه السلام فيجب قبوله واعترض بأن النبأ وما يرادفه كالخبر إنما يطلق على نقل ما استند إدراكه إلى الحس كالسماع والمشاهدة وبهذا فارق الفتوى فإنها عبارة عن نقل ما استند إدراكه إلى الدليل والحجة وأما ما يقال من أن الخبر ما كان له نسبة تطابقه أو لا تطابقه أو قول يحتمل الصدق والكذب أو نحو ذلك فمبني على اصطلاح مستحدث لان المسائل المدونة في العلوم لا تعد أنباء وأخبارا وضعفه ظاهر لأنه إن أريد أن النبأ لا يطلق إلا على الأشياء التي من شأنها أن تدرك بالحس وإن أدركها المخبر بطريق الحدس وشبهه فهذا مما لا ينافي المقصود فإن المخبر عنه هنا قول المعصوم عليه السلام أو فعله أو تقريره وهو أمر من شأنه أن يدرك بالحس وإن كان طريق الناقل إليه الحدس وإن أريد أنه لا يطلق النبأ إلا على ما كان علم المخبر به بطريق الحس فواضح الفساد للقطع بأن من أخبر عن إلهام أو وحي أو مزاولة بعض العلوم كعلم النجوم يعد منبئا ومخبرا قال الله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ولا ريب أن إخباره عليه السلام لم يكن عن حس ومثله قوله تعالى في غير موضع فينبئكم بما كنتم تعملون فإن علمه تعالى ليس عن حس وقوله تعالى نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم فإن كونه تعالى هو الغفور الرحيم ليس أمرا حسيا وقوله تعالى نبئوني بعلم إن كنتم صادقين بعد قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين فإن التحريم ليس أمرا حسيا إلى غير ذلك وكذا الكلام فيما دل على حجية خبر الواحد من الاخبار لما عرفت من شمول الخبر ومرادفاته لنقل الاجماع وإن كان المستند وجوب التمسك بالعترة عليه عليهم السلام الصادق على التمسك بالاخبار المأثورة عنهم عند تعذر الوصول إليهم فهذا مما يتساوى فيه الخبر المستند إلى الحس والمستند إلى الحدس ودعوى صدق التمسك على النوع الأول دون الثاني مجازفة وقد يستدل على حجيته نقل الاجماع بأن الاجماع من الحجج الشرعية الثابتة في نفس الامر والواقع كالسنة المأثورة فحيث يتعذر تحصيله بطريق العلم يتعين تحصيله بطريق الظن كما في السنة لان ذلك قضية انسداد باب العلم ونقل الثقة العارف يفيده فيجب التعويل عليه وفيه نظر لان انسداد باب العلم على ما حققنا في محله إنما يوجب جواز التعويل على الظن في تعيين موضوع الأدلة لا في إثبات مصاديقها ما لم يرجع إلى الظن في الموضوع والظن بحصول الاجماع بنقل الثقة كالظن بقول الامام عند قول الراوي أظنه قال كذا وشبهه مما لا شاهد على حجيته حجة المانع أمور [ وجوه ] الأول الأصل وقد عرفت الجواب عنه حيث بينا ما يوجب الخروج عنه الثاني أن التعويل على نقل الاجماع تقليد لناقله في مؤدى نظره واجتهاده فإن الاجتهاد قد يؤدي إلى القطع بالحكم فيصح أن يسنده القاطع إلى كل من يقطع بحقية علمه في ذلك من الامام وغيره ومنه ينفتح باب الاجماع فالتعويل على نقله راجع عند التحقيق إلى التعويل على فتوى الناقل وهذا مخالف لما تقرر عندهم من عدم جواز تقليد المجتهد مع التمكن من الاجتهاد وعدم جواز تقليد الأموات مع التمكن من مراجعة الاحياء والجواب أن التعويل